في رحاب الذكرى أل (75) لثورة (23) يوليو (تموز)بقيادة خالد الذكر جمال عبد الناصر ندرك مجدداً حجم المأساة ، التي تعيشها مصر والأمة العربية والقضية الفلسطينية ، جراء الارتداد عن مبادئها وإنجازاتها الوطنية والقومية والأممية ، ابتداءً من انقلاب 15 مايو 1972 مروراً بانقلاب السادات على خطة حرب تشرين 1973 ، ودخوله على خط التبعية لأمريكا مروراً بزيارة السادات إلى القدس عام 1977 وصولاً إلى توقيعه ااتفاقات كامب ديفيد والمعاهدة مع الكيان الصهيوني عامي 1978- 1979 التي أخرجت مصر من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني ، حيث بات نهج من حكموا مصر بعده على ذات النهج السياسي والاقتصادي المرتد عن نهج الثورة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وقومياً.
فلسطين تفتقد الثورة وقائدها
ونحن في فلسطين قضية الأمة المركزية وأم القضايا لثورة 23 يوليو ، نفتقد الثورة وقائدها وإنجازاتها ، حيث بتنا قبل وبعد معركة طوفان الأقصى ، نخوض معركتنا وحدنا مع العدو الصهيوني، بعد أن ألحقنا به في السابع والعشرين من أكتوبر 1973 أكبر هزيمة له في تاريخ الصراع العربي الصهيوني ، ولا زلنا نواجه عدواناً صهيوأمريكيا أطلسيا ، وحرب إبادة وتجويع غير مسبوقة في التاريح القديم والحديث، يتصدى لها رجال المقاومة ببسالة منقطعة النظير ، وسط صمت المجتمع الدولي، الذي يكتفي ببيانات الاستنكار وبيانات توسل للعدو أن يوقف حرب الإبادة.
والأخطر من ذلك نعلمك عبد الناصر ، أن الأنظمة العربية لم تكتف بالتخلي عن القضية الفلسطينية ، بل إنها في هذه اللحظة من تاريخ الصراع ، تتراوح ما بين متواطئ أو متآمر على الأهل في قطاع غزة ، رغم حرب الإبادة التي أدت إلى ارتقاء وإصابة ما يزيد عن 200 ألف فلسطيني ، وحرب التجويع التي تفتك بالآلاف من أبناء القطاع ، ورغم صدور قرار من الكنيست الصهيوني بضم الضفة الغربية ، التي يستبيحها المستوطنون صباح مساء ويعيثون فيه قتلاً وتدميراً ، وسط صمت السلطة الفلسطينية الممعنة في التنسيق الأمني المذل.
النظام العربي الرسمي ما بين متواطئ ومتخاذل
واللافت للنظر يا قائد الأمة أن دولاً صديقة في أمريكا اللاتينية ، قطعت علاقاتها مع الكيان الصهيوني احتجاجاً على حرب الإبادة والتجويع ، وأن الدول الغربية رغم دورها الاستعماري فاض بها الكيل جراء حرب الإبادة، وباتت تهدد باتخاذ إجراءات ضد الكيان ، وأن شعوب الدول الغربية تنطلق في مظاهرات مليونية وترفع شعار الحرية لفلسطين ، بينما الأنظمة العربية في غالبيتها تراقب المشهد ولا تحرك ساكنا ، ولم تقم بأضعف الإيمان، مثل استدعاء سفراء الكيان الصهيوني في العواصم العربية ، للإعراب عن الاحتجاج على حرب الإبادة والتجويع ، وتعاقب كل من يشترك في أية مسيرات داعمة لغزة.
وسبق أن عقدت الأنظمة العربية والإسلامية قمم رفع العتب ، وخرجت بتوصيات بوقف العدوان على غزة وإيصال المساعدات لأهلها ، لكنها رفضت استخدام أوراق الضغط لديها مثل التهديد بوقف المعاهدات أو إقفال السفارات الصهيونية في عواصمها .
والأخطر من ذلك أن الأهل في القطاع الأشم يذبحون من الوريد إلى الوريد، والنظام في مصر يرفض فتح المعبر ، رغم أن محور صلاح الدين الذي يربط مصر مع فلسطين معبر مصري فلسطيني وفق اتفاق 2005، ورغم أنه اتفاق ملحق باتفاقيات كامب ديفيد ، كما أن الوثائق كشفت حقيقة أن دولاً عربيه بعينها تخندقت في خندق العدو الصهيوني ، منذ يوم السابع والعشرين من أكتوبر المجيد ، حين أبلغت وزير الخارجية الأمريكي السابق "توني بلينكن" بضرورة التعجيل في القضاء على حماس والمقاومة في قطاع غزة ، وهذا ما كشفه الصحفي الأمريكي الاستقصائي "بوب وود وورد" في كتابه بعنوان " الحرب".
حول مدى راهنية ثورة يوليو
بعد مرور (75) عاماً على ثورة يوليو (تموز) 1952، يدور الجدل حولها وحول الفكر القومي عامة ، ففي حين يرى البعض أن الثورة لا تزال راهنة في عناوينها ومبادئها الرئيسية وإن كانت بحاجة إلى إجراء تعديلات عليها، في ضوء المتغيرات الراهنة، بحيث لا تمس البعد القومي لها كإطار بمضمون تقدمي في السياق الإستراتيجي، يرى البعض الآخر من قوميين وماركسيين، الذين غادروا النهج القومي والتقدمي، واندغموا في إطار الفكر النيوليبرالي، أن ثورة يوليو والنهج القومي باتا من الماضي، في ظل العولمة وتحول العالم إلى قرية صغيرة ،متجاهلين حقيقة أن العولمة الراهنة في أساسها الاقتصادي هي عولمة إمبريالية بثالوثها: "صندق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية" والأفعى السامة ممثلةً بالشركات متعددة الجنسية.
الإجابة على السؤال أعلاه، يقتضي (أولاً) العودة إلى مبادئ الثورة ومرتكزاتها التي شكلت مبرراً لها في الانقلاب على النظام الملكي في مصر، والتحول إلى ثورة بمضامين وطنية وقومية وطبقية، والإجابة على أسئلة محددة بشأن راهنيتها، وإمكانية تطبيقها في مصر وغيرها من الدول العربية.
ويقتضي ( ثانياً) عدم التعامل مع ذكرى الثورة، كمناسبة لاستذكار التاريخ المجيد لها فحسب بل التعامل معها بوصفها محطة لمراجعة مخرجات هذه الثورة، والبناء على فكر ومنجزات خالد الذكر جمال عبد الناصر، في سياق نضالي، يستهدف التخلص من حالة الردة التي قادها الرئيس الراحل أنور السادات في انقلاب 15 مايو 1971، وما أفرزته من خراب سياسي واقتصادي واجتماعي، تم تتويجه باتفاقات كامب ديفيد 1978 وبالمعاهدة مع الكيان الصهيوني 1979 -تلك الاتفاقات التي التزم بها نظام مبارك والنظام الحالي -رهنت مصر بما تمثله من ثقل جيوسياسي وقومي وديمغرافي وإقليمي ودولي إلى إقليم تابع للرجعية العربية، ومرتهن لدى الكيان الصهيوني وللإمبريالية الأمريكية، وما زالت مفاعيلها القاتلة قائمة حتى اللحظة الراهنة.
الإجابة على سؤال راهنية الثورة، يقتضي التوقف ابتداءً أمام المبادئ الستة التي طرحتها الثورة عام 1952 وطورتها عبر قوانين يوليو الاشتراكية عام 1961 وطبقتها على أرض الواقع وهي: القضاء على الإقطاع/ القضاء على الاستعمار/ القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم/ قامة حياة ديمقراطية سليمة/ إقامة جيش وطني قوي/ إقامة عدالة اجتماعية.
هذه المبادئ في التقدير الموضوعي لا زالت راهنة، فهي وإن قدمت المبررات لقيامها ضد النظام الملكي، فهي تقدم ذات المبررات للثورة ضد نظام كامب ديفيد بامتداداته حتى اللحظة بعد أن تم الارتداد عليها من قبل نظام السادات، وبقية حلقات كامب ديفيد الحاكمة في مصر. فالملكيات الكبيرة عادت للإقطاع بعد ارتداد السادات ومن خلفه عن قوانين الإصلاح الزراعي، والاستعمار عاد إلى مصر من خلال نهج التبعية، ورأس المال بات هو الحاكم من خلال قوى الكومبرادور وممثليها في السلطة، والديمقراطية القائمة في مصر اليوم هي ديمقراطية ليبرالية زائفة لا ترتكز على الديمقراطية الاجتماعية، والجيش الوطني وإن كنا لا يمكن أن نشك في وطنيته، بات جهازاً مهنياً في يد القوى الطبقية الحاكمة، ناهيك أنه بات يشكل ثقلاً ذي مغزى في الاقتصاد المصري، والعدالة الاجتماعية تبخرت في ظل الانحسار الهائل لدور القطاع العام والتوزيع البائس للثورة بعد التخلص من النهج الاشتراكي الذي أرسته ثورة 23 يوليو بقيادة عبد الناصر.
ولم تضرب مبادئ يوليو الستة فحسب، بل صفيت أيضاً قوانين يوليو الاشتراكية وتطبيقاتها وما نجم عنها من تنمية مستقلة وطبقة عاملة مصانة حقوقها، وتصنيع ثقيل لتصنيع آلات وماكينات المصانع الاستهلاكية، للتخلي عن استيرادها من الخارج، والتنمية المستقلة ضربت ببيع مصانع القطاع العام للقطاع الخاص وتصفية الإصلاح الزراعي وصفيت كذلك منجزات بيان (30) مارس بعد حرب 1967، والذي كان في محصلته "ثورة في الثورة".
وفي التقدير الموضوعي أن مهمة البناء على تجربة 23 يوليو في مصر في السياقين الوطني المصري والقومي العربي ، وفي سياق اعتبار القضية الفلسطينية قضية مركزية للأمة العربية ليست مهمة الناصريين – على اختلاف تشكيلاتهم الحزبية – فحسب، بل مهمة كل القوى التقدمية في مصر والوطن العربي، من أجل التخلص من نهج التبعية، وإعادة الاعتبار لدور مصر القائد للأمة العربية، دور ”إقليم القاعدة لحركة التحرر العربية” الذي أرساه خالد الذكر جمال عبد الناصر.

